الشوكاني

207

فتح القدير

سبحانه في تلك الليلة من العجائب التي من جملتها قطع هذه المسافة الطويلة في جزء من الليل ( إنه ) سبحانه ( هو السميع ) بكل مسموع ، ومن جملة ذلك قول رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ( البصير ) بكل مبصر ، ومن جملة ذلك ذات رسوله وأفعاله . وقد اختلف أهل العلم هل كان الإسراء بجسده صلى الله عليه وآله وسلم مع روحه أو بروحه فقط ؟ فذهب معظم السلف والخلف إلى الأول . وذهب إلى الثاني طائفة من أهل العلم منهم عائشة ومعاوية والحسن وابن إسحاق وحكاه ابن جرير عن حذيفة بن اليمان . وذهبت طائفة إلى التفصيل فقالوا : كان الإسراء بجسده يقظة إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح ، واستدلوا على هذا التفصيل بقوله إلى المسجد الأقصى ، فجعله غاية للإسراء بذاته صلى الله عليه وآله وسلم . فلو كان الإسراء من بيت المقدس إلى السماء وقع بذاته لذكره ، والذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة هو ما ذهب إليه معظم السلف والخلف من أن الإسراء بجسده وروحه يقظة إلى بيت المقدس ، ثم إلى السماوات ، ولا حاجة إلى التأويل وصرف هذا النظم القرآني وما يماثله من ألفاظ الأحاديث إلى ما يخالف الحقيقة ، ولا مقتضى لذلك إلا مجرد الاستبعاد وتحكيم محض العقول القاصرة عن فهم ما هو معلوم من أنه لا يستحيل عليه سبحانه شئ . ولو كان ذلك مجرد رؤيا كما يقوله من زعم أن الإسراء كان بالروح فقط ، وأن رؤيا الأنبياء حق لم يقع التكذيب من الكفرة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عند إخباره لهم بذلك حتى ارتد من ارتد ممن لم يشرح بالإيمان صدرا . فإن الإنسان قد يرى في نومه ما هو مستبعد . بل ما هو محال ولا ينكر ذلك أحد ، وأما التمسك لمن قال بأن هذا الإسراء إنما كان بالروح على سبيل الرؤيا بقوله - وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنه للناس فعلى تسليم أن المراد بهذه الرؤيا هو هذا الإسراء . فالتصريح الواقع هنا بقوله ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ) والتصريح في الأحاديث الصحيحة الكثيرة بأنه أسرى به لا تقصر عن الاستدلال بها على تأويل هذه الرؤيا الواقعة في الآية برؤية العين ، فإنه قد يقال لرؤية العين رؤيا . وكيف يصح حمل هذا الإسراء على الرؤيا مع تصريح الأحاديث الصحيحة بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ركب البراق ؟ وكيف يصح وصف الروح بالركوب ؟ وهكذا كيف يصح حمل هذا الإسراء على الرؤيا مع تصريحه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه كان عند أن أسرى به بين النائم واليقظان : وقد اختلف أيضا في تاريخ الإسراء ، فروى أن ذلك كان قبل الهجرة إلى المدينة بسنة . وروى أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام . ووجه ذلك أن خديجة صلت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد ماتت قبل الهجرة بخمس سنين ، وقيل بثلاث . وقيل بأربع ، ولم تفرض الصلاة إلا ليلة الاسراء . وقد استدل بهذا ابن عبد البر على ذلك ، وقد اختلفت الرواية عن الزهري . وممن قال بأن الاسراء كان قبل الهجرة بسنة الزهري في رواية عنه ، وكذلك الحربي فإنه قال : أسرى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة سبع وعشرين من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة . وقال ابن القاسم في تاريخه : كان الإسراء بعد مبعثه بثمانية عشر شهرا . قال ابن عبد البر : لا أعلم أحدا من أهل السير قال بمثل هذا . وروى عن الزهري أنه أسرى به قبل مبعثه بسبعة أعوام ، وروى عنه أنه قال : كان قبل مبعثه بخمس سنين . وروى يونس عن عروة عن عائشة أنها قالت : توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة . ( وآتينا موسى الكتاب ) أي التوراة . قيل والمعنى : كرمنا محمدا بالمعراج وأكرمنا موسى بالكتاب ( وجعلناه ) أي ذلك الكتاب ، وقيل موسى ( هدى لبني إسرائيل ) يهتدون به ( أن لا تتخذوا ) . قرأ أبو عمرو بالياء التحتية ، وقرأ الباقون بالفوقية : أي لئلا يتخذوا ، والمعنى : آتيناه الكتاب لهداية بني إسرائيل لئلا يتخذوا ( من دوني وكيلا ) قال الفراء : أي كفيلا بأمورهم ، وروى عنه أنه قال كافيا : وقيل معناه : أي متوكلون عليه في أمورهم ، وقيل